الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

365

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

هذه المذاهب مذاهب أنهاها ابن عطية إلى عشرة ، لا نطيل بها . وقوله : وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ تذييل لحكم نفي المؤاخذة ، ومناسبة اقتران وصف الغفور بالحليم هنا دون الرحيم ، لأن هذه مغفرة لذنب هو من قبيل التقصير في الأدب مع اللّه تعالى ، فلذلك وصف اللّه نفسه بالحليم ، لأن الحليم هو الذي لا يستفزه التقصير في جانبه ، ولا يغضب للغفلة ، ويقبل المعذرة . [ 226 ، 227 ] [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 226 إلى 227 ] لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 226 ) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 227 ) استئناف ابتدائي للانتقال إلى تشريع في عمل كان يغلب على الرجال أن يعملوه في الجاهلية ، والإسلام . كان من أشهر الأيمان الحائلة بين البر والتقوى والإصلاح ، أيمان الرجال على مهاجرة نسائهم ، فإنها تجمع الثلاثة ؛ لأن حسن المعاشرة من البر بين المتعاشرين ، وقد أمر اللّه به في قوله : وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [ النساء : 19 ] فامتثاله من التقوى ، ولأن دوامه من دوام الإصلاح ، ويحدث بفقده الشقاق ، وهو مناف للتقوى . وقد كان الرجل في الجاهلية يولي من امرأته السنة والسنتين ، ولا تنحل يمينه إلّا بعد مضي تلك المدة ، ولا كلام للمرأة في ذلك . وعن سعيد بن المسيب : « كان الرجل في الجاهلية لا يريد المرأة ، ولا يحب أن يطلقها ، لئلا يتزوجها غيره ، فكان يحلف ألّا يقربها مضارة للمرأة » أي ويقسم على ذلك لكيلا يعود إليها إذا حصل له شيء من الندم . قال : « ثم كان أهل الإسلام يفعلون ذلك ، فأزال اللّه ذلك ، وأمهل للزوج مدة حتى يتروى » فكان هذا الحكم من أهم المقاصد في أحكام الأيمان ، التي مهد لها بقوله : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً [ البقرة : 224 ] . والإيلاء : الحلف ، وظاهر كلام أهل اللغة أنه الحلف مطلقا يقال آلى يولي إيلاء ، وتألى يتألى تأليا ، وائتلى يأتلي ائتلاء ، والاسم الألوّة والألية ، كلاهما بالتشديد ، وهو واوي فالألوة فعولة والألية فعيلة . وقال الراغب : « الإيلاء حلف يقتضي التقصير في المحلوف عليه مشتق من الألو وهو التقصير قال تعالى : لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا [ آل عمران : 118 ] وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ [ النور : 22 ] وصار في الشرع الحلف المخصوص » فيؤخذ من كلام الراغب أن الإيلاء حلف على الامتناع والترك ؛ لأن التقصير لا يتحقق بغير معنى الترك ؛ وهو الذي